كلمة البروفيسور فريديريكو مايور تاراغوتا
نائب في البرلمان الأوروبي ورئيس مؤسسة ثقافة السلام
مدريد - أسبانيا

 

سيدي الرئيس....أصحاب السعادة

إن المبادرة التي تبناها صاحب الجلالة الملك عبد الله تعد مبادرة رائعة تفتح البواب على المستقبل. فقد شمل إعلان مكة المكرمة توجيهات بالغة الأهمية حول التفاهم مع مختلف الحضارات والثقافات البشرية والتأكيد على موقف المسلمين تجاه مختلف الحضارات والثقافات المتنوعة والحفاظ على السلام العالمي. كما تضمن الإعلان فقرات تحدثت عن الحوار بين البشر باعتباره ضرورة حياتية للتعايش وتبادل الأفكار والفهم والتفاهم الثقافي والصلح والتصالح والمصالحة.
فهو المنهج الذي نقصده عندما نتحدث عن الحوار ونعني به الاستماع والإصغاء للآخرين وفهمهم واحترامهم رغم ما مواقفهم التي قد تختلف تماما مع مواقفنا.

فقد صرح جلالة الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود بأن الخلاف لا يجوز أن يكون سببا للجدل والخصام.
وبدوره أضاف صاحب الجلالة الملك خوان كارلوس قائلا: "أن تعميق الحوار يؤدي إلى تعزيز التعاون الدولي والسلام. وفي هذا السياق أود أن أشير إلى كلمات الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي عندما قال أن لإسلام يعتبر كافة البشرية سواسية. فتصوروا معي لو أننا سلمنا بالتنوع والاختلاف الذي يسود البشرية فإننا سنكون بذلك قد تجاوزنا معظم المشاكل التي نعاني منها. إذ نكون قد تقبلنا فكرة أن الإنسان يتمتع بالكرامة نفسها التي يتمتع بها غيره بغض النظر عن جنسه أو لونه أو أيديولوجيته أو معتقداته.
وفي شهر سبتمبر/أيلول عقدت الأمم المتحدة مؤتمر قمة حضره قادة الدول والمنظمات من مختف أرجاء العالم ونادوا ببلورة خطة عمل تتعلق بثقافة السلام وخطة عمل أخرى تتعلق بالحوار. وانتهوا إلى أن الحوار الآن هو فعلا الأداة التي تمكننا من تجاوز خلافاتنا وتسويتها. ثم بعد ذلك رحبوا بالمبادرة الصادرة عن رئيس الحكومة الأسبانية "لويس رودريغز ثاباتيرو" عام 2005م بخصوص تحالف الحضارات. وأعتقد أنه من الأهمية بمكان أن نُذكِّر كم بما ورد في هذه المبادرة.

أما خطة العمل الخاصة بثقافة السلام فقد صادقت عليها الأمم المتحدة في حينه. علما بأن ثقافة السلام إنما هي عبارة عن مجموعة من القيم والأعراف والتقاليد وأساليب الحياة التي تستند إلى احترام الحياة ووقف أو نبذ اللجوء إلى أعمال العنف أو التشجيع والتحفيز عليه وذلك من خلال التربية والحوار والتعاون. وقد تضمن هذا الإعلان الأنماط العملية والطرق العملية التي تسهل تطبيق كل هذه المبادئ في الحياة اليومية. وبالتالي فالأهم هو الانتقال من القول إلى الفعل. وعليه يجب أن نمد هذه الجسور وننسج شبكات التفاهم المتبادل حتى نستطيع جميعا تقديم شئ إلى هذه البشرية المتجزئة المتشائمة التي لا ترى بصيصا من الأمل. ونقدم لها بالتالي هذا البصيص من خلال المعتقدات الدينية.
وفي عام 1994م وكنت حينها رئيسا لمنظمة الـ"يونسكو" التابع للأمم المتحدة انتهزت فرصة لدعوة 19 شخصا من جميع أنحاء العالم ينتمون إلى مختلف الثقافات ومن ضمنهم الـ"دالاي لاما" وعدد من كبار من رجال الدين وتم حينذاك إبرام اتفاقات هامة وقلنا أنه لا سلام دون الاعتراف بالتنوع و التعددية. وبالتالي فإننا نسعى إلى تحقيق جوهر السلام القائم على الحماية الشاملة والحب والرحمة والكرامة والعدل، وقبل شهرين أو ثلاثة أشهر وهنا في أسبانيا وفي برشلونة وتحديدا في "منسرات" اجتمعنا نحن ممثلو عدد من المعتقدات والثقافات وقلنا حينها أن في أثناء الأزمات يجب على الدين أن يمنح الأمل للبشرية.

إذن‘ فمن الأهمية بمكان أن تقدم الديانات كل المساعدات الممكنة لاحترام تلك القيم في المجتمعات التي تفتقر إليها. صحيح أننا ارتكبنا أخطاء فادحة عندما استبدلنا هذه القيم الحيوية بقوانين السوق حيث أننا حاولنا أن نتعايش. ولكن حتى نتمكن من التعايش يجب أن نتقاسم الأشياء بما في ذلك معرفة الآخر ككائن.

إننا نرى أن الاقتصاد الدولي يستند إلى قوانين السوق بدلا عن العدل وبدلا عن العدالة وبدلا عن التضامن الذي كانت منظمة اليونسكو تصفه دائما بأنه تضامن فكري وإنساني.
إننا نخشى من الإرهاب والتطرف ومن التحجر والتزمت‘ ولا نريد أفكارنا على الآخرين بواسطة أعمال العنف والتشدد. وقد تم وجيه الدعوة إلى الحوار بين الحضارات والثقافات منذ أمد طويل. كما وأنني أحتفظ سنوات طويلة بدوريات. فمثلا في عام 1995م صرح البابا "كارلوس السادس" أن من واجب الكنيسة أن تتحاور مع العالم الذي نعيش في كنفه. وكما تعرفون حضراتكم في عام 1998م كانت هناك مبادرة من قبل الرئيس الإيراني السابق "خاتمي" تمت المصارحة على مبادرة للحوار بين الحضارات.
وبعد ذلك في عام 2003م كانت لدينا برامج بخصوص خطط العمل التي تؤهلنا لتحضير ذلك الحوار. أقول كل هذا حتى يتضح ما نقوم به. فمن خلال تقرير تحالف الحضارات الذي انبثق عن مجموعة من الأمم المتحدة التي أتشرف برئاستها توصلنا إلى نفس الاستنتاجات أي أننا يجب أن نعمل على تنشيط الحوار, علما بأنه يجب بعد هذا الجهد أن تكون هناك إرادة سياسية لا إرادة دينية حتى نبلور ونجسد هذه الاستنتاجات وهذه النتائج وهذه الطريقة في التفكير وفي الاعتقاد وفي نهاية المطاف هذا ما نحن بصدده.
إذن الحوار ما بين الديانات ـ الحوار ما بين الثقافات ـ والحوار ما بين الديانات أمر مهم جداً. فهناك ديانات تقدم الآن مثالا سيئا للتفرقة وللتشرذم وللتمزق. وبالتالي يجب أن يكون هناك أيضا حوار داخل الديانات نفسها بالإضافة إلى الحوار ما بين الديانات المختلفة. طبعاً يمكن إحراز النتائج والاتفاقات بعد العرض والاستماع إلى مختلف وجهات النظر.

إنني آمل أن تكون هذه الاستنتاجات وهذه النتائج متميزة في هذا الاجتماع. وأن لا تظهر استنتاجات ونتائج أخرى قائمة على قرارات صادرة من اجتماعات سابقة‘ بل نرى أن يتم الحديث وتبادل أطراف الحوار وبعد ذلك يتم إحراز نتائج نظرية.
أعتقد أنه آن الأوان لكي ننتقل إلى العمل ويجب أن نستفيد من القوة المنظمة لوسائل الإعلام الموجودة الآن في العالم. فمن الصعب بمكان أن نتقدم إذا كانت فئة قليلة هي التي تسيطر وتحتكر هذه الوسائل الإعلامية الكثيرة. فإذا كانت هذه الوسائل الإعلامية لا تعكس هذه الإرادة‘ إرادة الحوار والتفاهم والرغبة في التفاهم... فكيف لنا أن نبلور هذه النتائج إلى أعمال؟
إن القوانين الدولية ليست كافية وكذلك الحروب المفتعلة التي لا تستند إلى وقائع وإنما تعد حروبا اقتصادية كما نراه الآن في العالم‘ وإنما المطلوب هو اقتصاد سلام واقتصاد تنمية.
والآن رأينا في الاجتماع الأخير لمنظمة الزراعة كيف تنشأ الأزمات وكيف يموت أعداد كثيرة من الناس بسبب المجاعات. وكيف يتم تهميش هذه المشكلات الهامة للبشرية. وذلك لأننا تعودنا على ثقافة تهميش هذه المبادئ الراقية وهذه المبادئ الضرورية وانغمسنا في سياسات تتعلق بقوانين السوق.

سيداتي سادتي! لقد آن أوان العمل. وعندما تشرفت بإدارة اليونسكو كنت أعتقد وما زلت أعتقد أنه آن أوان الانتقال من الأقوال, وما نطلبه هنا في هذا المؤتمر العالمي للحوار هو أن نغير، وأن نستبدل الكلمة والقوة بالفعل. ولكن ليس فقط لإنجاز هذا الاجتماع ولكن لرفعة هذا العالم واستقراره.