بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد و على رسل الله وأنبيائه أجمعين ؛ أما بعد :
فيسرني أن أرفع الشكر جزيلا إلى خادم الحرمين الشريفين ، الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود على رعايته لهذا المؤتمر العالمي ، و افتتاحه له , وعلى حرصه الشديد والمتتابع على تعزيز نهج الحوار الهادف ، وذلك انطلاقا من رؤيته الثاقبة لما تعانيه البشرية من مشكلات ، وقناعته التامة بوجود فرص عظيمة بين البشر على اختلاف أديانهم وثقافاتهم يجب استثمارها فيما يصلح شأن الإنسان في كل زمان ومكان .
و يسرني أن أقدم الشكر و التقدير لجلالة الملك خوان كارلوس ملك أسبانيا و للحكومة الأسبانية و رئيس وزرائها خوسيه لويس رودريغيز على إتاحة الفرصة لعقد هذا المؤتمر على أرض أسبانيا , التي شهدت تعايشا و تعاونا بين أتباع الديانات و الثقافات ، أسهم في الحضارة الإنسانية .
كما يسرني أن أرحب بهذا الجمع من مختلف القيادات الدينية و الفكرية و الإعلامية , و أرجو أن يتكلل اجتماعنا بالتوفيق .
إن مجرد عقد هذا اللقاء يعد نجاحا وانتصارا لصوت الاعتدال والسلام في العالم ، وخطوة إيجابية على طريق التعاون في خدمة الأسرة الإنسانية .
إن الناس وإن اختلفوا في الدين أو المنطلقات الفكرية والحضارية ، فإن القيم النبيلة من العدل والخير والفضيلة ، التي ترتكز في الجذور الإنسانية الفطرية وتؤكدها أصول الرسالات الإلهية ، تبقى على الدوام أصلا مشتركا ثابتا وإطارا جامعا تنبع منه الأفكار النيِّرة الوضاءة ، والأطروحات الرشيدة البناءة ، في معالجة القضايا المشتركة للمجتمع البشري .
ويعتبر الحوار من أفضل الوسائل لنقلها وتوسيع نطاق التفاهم عليها ، لأنه يعتمد على مخاطبة الكيان الفطري والعقلي ، فتستجيب له القلوب والعقول .
ويأتي هذا المؤتمر في إطار دعوة خادم الحرمين الشريفين ، الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود ، إلى الحوار بين مختلف الفئات الدينية والثقافية والحضارية وقادة الفكر الإنساني .
وتعبِّر هذه الدعوة عن رغبة عميقة وصادقة في حسن التعايش والتعاون بين أمم العالم وشعوبه وحضاراته, تتبناها قيادة المملكة العربية السعودية ، وتنتهجها في سياستها الداخلية والخارجية ، وهو دليل على أن الخلفية الثقافية والحضارية التي تنطلق منها المملكة تتسم بالانفتاح والمرونة وحب الخير للبشرية جمعاء .
إن المؤتمر الإسلامي العالمي للحوار الذي عقد مؤخرا في مكة المكرمة يعتبر خطوة إسلامية جامعة في التجاوب مع هذه الدعوة الكريمة ، وهو مؤتمر إسلامي عالمي حضره عدد كبير من الشخصيات الإسلامية اتفقت على أسس وآليات تكفل النجاح للحوار .
وقد تركزت أعمال مؤتمر مكة على الجوانب التأسيسية للحوار ، بإبراز أصالته ، ووضع المحددات والشروط التي تهيئ الأجواء لنجاحه ، وأعلن ذلك في وثيقة صدرت عن المؤتمر أطلق عليها اسم ( نداء مكة المكرمة ) تبلورت فيها رؤية إسلامية للحوار .
ورابطة العالم الإسلامي ، وهي منظمة شعبية عالمية ، وعضو مراقب في هيئة الأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي ، وضعت في أولويات أعمالها الثقافية والإعلامية الاهتمام بقضايا الحوار ، وسبل تعزيزه في مواجهة أطروحة حتمية الصدام بين الحضارات .
إن من أهم أهداف الحوار التباحث في سبل مواجهة الترويج للفوضى والانحلال في الأخلاق والتفكك الأسري ، إلى حد مشاكسة الفطرة وتجاهل الفروق التكوينية بين الجنسين .
إن اللقاءات المباشرة بين القيادات الدينية والفكرية والفلسفية في العالم مناسبة ثمينة لإشاعة أجواء التفاهم وتصحيح المعلومات المغلوطة ، والتقليل من أسباب التوتر والتطرف في الأحكام والمواقف والرؤى .
إن الإسلام ينظر إلى أفراد الجنس البشري نظرة مساواة باعتبار أن أصلهم واحد .
فاختلاف أعراقهم وألوانهم ولغاتهم وأوطانهم لا يقتضي أي تفاوت بينهم في أصل التكريم والقيمة الإنسانية .
يقول نبينا الكريم محمد صلى الله عليه و سلم : ( يا أيها الناس ، ألا إن ربكم واحد ، وإن أباكم واحد ، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ، ولا لعجمي على عربي ، ولا لأحمر على أسود ، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى ) .
إن من مقومات الحضارة الإسلامية الانفتاح على الآخرين ، والتكامل معهم ، ويشهد لهذه الحقيقة تعدد الأقليات الدينية و الاثنية في العالم الإسلامي على مر التاريخ ، ورعاية حقوقها كافة ومحافظتها على خصائصها ، وعلى تراثها الديني ، وعلى ثقافتها الخاصة بها .
وذلك يعود إلى سماحة الإسلام وإلى جوهر الشريعة الإسلامية التي يستمد منها المسلمون نهجهم وثقافتهم وحضارتهم .
إن الحوار آلية من أهم الآليات في التفاعل مع الوجود بأكمله ، أخذا وعطاء ، من غير إكراه ولا قهر ، ضمن سنتي التنوع والتدافع من أجل تحقيق التوازن الكوني .
إن الانتقال بالحوار من مجرد كونه لقاءات ومحادثات إلى أن يكون تواصلا إيجابيا ، يفضي إلى نتائج ملموسة تغير من واقع الحياة إلى الأفضل : إحسانا وإتقانا وتجويدا يقتضي التركيز على ثلاث دوائر :
· دائرة المبادئ الدينية : فيما يعزز الإيمان بالله تعالى الواحد ، الدافع إلى الإحسان إلى الناس ، وكف الأذى عنهم .
· دائرة القيم الإنسانية : بتنمية فضائل الأخلاق ، التي تقوي في النفس نوازع الخير ، وتكبح بواعث الشر .
· دائرة المصالح المتبادلة : التي تهم الناس جمعيا ، وتحسن من ظروف حياتهم على الأرض ، وتقيهم ما في المدنية المعاصرة من سوءات وشرور ، سببها عدم التوازن الذي يسم بعض جوانبها .
إن مما يعوق الحوار قلة التفاهم بين المتحاورين ، وسوء الظن المتبادل ، ونبش قبور التاريخ المليء بالصراعات الأليمة .
من هنا : يجب على الأطراف المتحاورة التجرد لوجه الحق ، والإنصاف مع النفس ومع الآخر ، وتجاوز التاريخ المسيء ، واستحضار النية الصادقة في الوصول إلى أرضية مشتركة تنفع الناس وتمكث في الأرض .
ولا بد أن نراجع جميعا مسار الحوار الذي بدأ منذ عقود من الزمان ، فنرصد إيجابياته ، وننميها ونزيد منها ، ونرصد سلبياته ، ونصلحها ونأخذ بما هو أرشد وأهدى سبيلا .
ولعل مما يزيد من أهمية ذلك ما نراه بين الحين والآخر من انتكاسات تصيب مسيرة الحوار بسبب تشنجات وإساءات تناقض أهدافه وغاياته ، وما نلمسه أحيانا من انقطاع التواصل وخفوت صوت الحوار بسبب عارض أو آخر .
إننا نرحب بمختلف القيادات الدينية والحضارية والثقافية العالمية وغيرها ممن يشاركنا في محبة الخير للأسرة الإنسانية ، لنتحاور حوارا مثمرا ، تتوفر فيه شروط النجاح ، من الجدية وصدق الرغبة في التعاون على برامج ومشاريع مشتركة ، تسهم في إسعاد الإنسان ومعالجة المشكلات التي تؤرقه ، وتخفف أسباب التوتر بين فئاته ، كالظلم والعدوان ومصادرة حقوق الشعوب في العيش الحر الكريم .
وأخيرا : نرجو ألا يكون حظنا من هذا المؤتمر العالمي حول الحوار كغيره من المؤتمرات التي تكون حصيلتها مجرد الإسهام ببحوث علمية ودراسات نظرية ، بل نطمح إلى تحويل هذا الجهد المشكور والنافع إلى مشاريع عمل تستثمر في مسيرة الحوار العملي وتوظف للخير ونفع بني البشر ، وتتبناها الجهة المنظمة للمؤتمر وتتابع تنفيذها ، وبخاصة أنه يحظى بعناية متميزة من خادم الحرمين الشريفين ، الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود ، الحريص على الخير وسعادة الإنسان .
من أجل هذا ، سوف نعمل – بإذن الله تعالى – على بلورة هذه الجهود المباركة في عمل مؤسسي طموح .
شكراً لصاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية على اهتمامه و متابعته , و تعاون مسؤولي الوزارة و سفارات المملكة و لصاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف سفير المملكة في أسبانيا على تعاونه و اهتمامه .
و لأصحاب المعالي وزير الإعلام و رئيس الديوان الملكي و رئيس المراسم الملكية و رئيس الشؤون الخاصة و المدير العام للخطوط السعودية و مسؤوليهم على تعاون الجميع .
و الشكر للمسؤولين في الحكومة الأسبانية , و لرئيس المركز الإسلامي في مدريد الدكتور إبراهيم الزيد و للإعلاميين الذين تابعو هذا المؤتمر الكبير و المهم .
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,,,